تخيل معي للحظة انك دخلت مَتجر و معك كل الأموال وبدأت تأكل من كل ما يأتي أمامك لأنه لذيذ و دون شبع, بماذا ستشعر؟
غالبا ستبدأ بحالة من الانبهار و الانغماس ثم سُرعان ما يتحول وضعك...

  • ستشعر بالغثيان و بالقرف

  • ثم يظهر عليك معالم الغثيان و القرف

  • ثم ستكون عليك أعراض المرض

و نحن مُلمون بهذه المسألة بشكل واضح عندما نتعامل مع الطعام و ندرك الغاية منه بل و يكثر المحتوى الذي يتكلم في هذا الأمر في التغذية السليمة و الحِمية الصحية.

ومن الأحاديث التي تدل على إعجاز السنة النبوية في هذا السياق ما رواه المقداد بن معد يكرب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) رواه الترمذي وحسنه.

ولهذه المسألة فقه عظيم أنه عندما يتعرض الجسد لأكثر مما يحتاج فيتيح باباً للثقل و الخمول و التكاسل ثم منها للأمراض و الأوبئة
وليس الفساد هنا جسديا فقط بل له دلالات أكثر من ذلك على قلب و جوارح الشخص ..

وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: مفسدات القلب الخمسة "كثرة الخلطة، الإكثار في الطعام، التعلق بغير الله، كثرة النوم، والتمني ..

و يرى ابن القيم أن الإكثار في الطعام يقوى عليه مواد الشهوة، وطرق مجاري الشيطان ووسعها، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. فالصوم يضيق مجاريه ويسد طرقه، والشبع يطرقها ويوسعها.

و لكن عندما يتعلق الأمر بتغذية عقولنا و حواسنا فنحن لا نلقي للأمر بالا و غالبا ما نتعرض لأي شيء يأتي أمامنا. ولا نلقي بالا لما نضع في عقولنا وما نغذي به حواسنا خصوصا أن في العصر الحديث كَثُر المحتوى التافه و يوصف بأنه مسبب لتعفن الدماغ بل نحن:

  • نتابع كل خبر من مشهور و معروف و نعلق و نتفاعل

  • نحضر كل فيلم و مسلسل جديد رائج كما يسمى (ترند)

  • و ننقر على كل شيء لامع صائد للنقرات (clickbait)

ماذا علينا أن نفعل

علينا أن نفكر بشكل جدي بما نستهلك فالمحتوى تأثيره أكثر من الترفيه خصوصا مع الكثرة.
فربما لاحظت أنك تُستنزف بعد مشاهدة بعض المقاطع القصيرة المصممة لاستفزازك أو إثارتك بشكل مبالغ من خلال موسيقى قوية أو مؤثرات بصرية سريعة بل و هي من أسباب أن هذا الجيل يعاني من الشتات و صعوبة التركيز على أمر واحد.

1) ابدأ بالمُحرم

من أسهل الخطوات التي ممكن أن تتخذها أنت الان هو الابتعاد عن ما تدرك أنه محرم إن كانت مقاطع بها عُري أو مواضيع منحطة أخلاقية و الموسيقى و ما على هذا النحو و هذا مبدئيا يُحد من مقاطع التعفن بشكل كبير فهي أسهل آليات تُستخدم لشد اهتمامك و إغرائك في المتابعة والانغماس في هذا المحتوى ..يمكنك أيضا الاستعانة بأدوات تعين في هذه المسألة و تساعد في حجب المحتوى المحرم حتى في المحتوى الهادف المفيد مثل أداة HaramBlur و هو أداة ذكاء صناعي تساعدك في حجب المحرمات البصرية من المقاطع التي اعتدنا على مشاهدتها

2) اسال ما الفائدة أو الغرض

عليك أن تسأل نفسك ما هي القيمة أو الفائدة العائدة من المعلومات التي تتلقاها و هل تنفعك في شيء؟ و ابتعد عن كل ما يعتبر "علم لا ينفع و جهل لا يضر" و هي فلسفة بسيطة في فكرتها قوية في فعاليتها لـأنها تنظر للمحتوى كما ينظر للطعام فأنت تعلم أن ما تأكل مفيد أو مضر و مقدار الفائدة و إن كان مسليا أو مكافئا فاستهلاك مقنن و لذلك تسأل نفسك:

  • هل كل من أتابع لهم فائدة علي

  • هل وجود هذا التطبيق (فسبك, إنستا ,تكتوك) عائد عليا بفائدة أم بضرر

  • هل هذا البريد و هذه الإشعارات تضفي قيمة أم أنها فقط تشتتني

  • هل أستهلك المحتوى لأنني "جائع معرفياً" أم بدافع الملل والتعود؟

3) إيجاد حواجز احتكاك

إن كنت تعلم التأثير الضار من المادة عليك ولا يمكن الامتناع عنها تماما فربما الأنسب هو وضع حواجز احتكاك بينك و بين المادة
و هو من أفضل الحيل النفسية والتقنية لتقليل الاستهلاك الرقمي غير الواعي.

  • إبعاد الهاتف عن السرير: استخدم منبهات تقليدية واستبدل شحن الهاتف ليلاً بوضعه في غرفة أخرى؛ لتقليل عادة تصفح الهاتف فور الاستيقاظ أو قبل النوم.

  • إلغاء تفعيل الإشعارات تماماً: اترك الإشعارات فقط للرسائل والمكالمات الضرورية، وأغلق تنبيهات "اللايكات" والأخبار لتمنع التطبيقات من استدراجك.

  • احذف التطبيق و شاهد المحتوى من المتصفح فقط: المتصفح لا يدعم الميزات الجذابة بنفس الكفاءة الموجودة في التطبيقات هذا البطء يمنح عقلك الواعي فرصة للتدخل والتساؤل: "هل أحتاج فعلاً لتصفح هذا الموقع الآن؟

  • شغل وضع الأبيض و الأسود للتقليل من الألوان البراقة الجذابة: تختار الشركات ألوان أيقونات وتطبيقات بعناية فائقة (مثل الأحمر البراق للإشعارات) لتحفيز هرمون الدوبامين وإثارة الفضول البصري. تحويل الشاشة إلى وضع "التدرج الرمادي" (Grayscale) يجرد البيئة الرقمية من كل عوامل الجذب البصري. و تصبح الألوان مملة وهذا يجعل عقلك يفقد الرغبة في الجلوس مطولا على هذه التطبيقات

  • اجعل شاشاتك أصغر حجما و أقل إغراءا: كلما كبُرت الشاشة وزادت دقتها، زادت قدرتها على عزل حواسك عن العالم الحقيقي واستهلاك انتباهك الكامل. يمكنك الاستثمار في شاشات أقل حجما لهواتفك و شاشاتك لتحد من تأثير الجذب للأجهزة و المحتوى أو تفعيل ميزة "تصغير واجهة المستخدم" للحصول على تأثير مماثل

4) اصنع انت محتوى

تركيزك في أن تتحول لمُنتج بدلا من مستهلك سيجعلك تدرك كثيرا عن ما تستهلك و يأخذ أيضا من وقتك فيحد من استهلاكك فأنت معتاد على تناول محتوى معالج معد لاستنزاف حواسك ومشاعرك و تحويلك لشخص يصنع المحتوى في أي أمر يهمك يقلب الأية تماما فأنت من تقوم بتوجيه الخوارزميات بدل من أن توجهك و تحول العلم الذي لا ينفع إلى علم نافع لك ولغيرك فهي تجبرك على البحث والتنقيح والتدقيق فتتحول من استقبال مشتت لاواعي إلى مفكر نشط ومنظم وليس من الضروري نشرها حتى لو أنك تؤدي البحث لنفسك أو لمشروع صغير فهو يعود عليك بنفس الفوائد ويزيد من إبداعك وضوح أفكارك..

في النهاية نقول أنه في عصرنا الحالي و مع فيضان المرئيات والصوتيات يجب على كل شخص واعي يريد التحسن والتطور في حياته أن ينظر على ما يلقي على حواسه كما ينظر للطعام "لُقَيمات يُقمن صُلبه" كما قال رسولنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - و يتابع ما يستهلك و يتبع بعضا من المقترحات الموضوعة للاستعانة على مبتغاه وحتى لو استطلب الأمر بعض "الصيام عن المحتوى" من حين لأخر.