هذا شهر الخير
ويقول الامام ابن رجب الحنبلي في كتابه "لطائف المعارف" : أن رمضان مدرسة للتهذيب الأخلاقي، حيث يغرس الصيام التواضع من خلال تجربة الجوع وتذكرنا بالمحتاجين. ويعلمنا الإخلاص، إذ لا رقيب على الصائم إلا الله.
ولكن العجيب في ان طاولة الافطار تخبرنا قصة مختلفة
فبدل من ان يحمدون الله على الطعام الكافي, بدأوا يبطشون في النعمة :
فأصبحت الطاولات تنافسية والسفرة ممتلئة من جدار الى جدار,
ويأكلون حتى لا يكادوا يقومون
ويعمل المطبخ طوال اليوم لتحضير وجبات كثيرة فقط لكي تستهلك في فترة زمنية قصيرة
(من بداية المغرب حتى نهاية العشاء)
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
"كان رسول ﷺ يُفطِرُ على رُطَباتٍ قبلَ أن يُصلِّيَ، فإن لم تَكُن رُطَباتٌ فتمَراتٌ، فإن لم تَكُن حسَا حسَواتٍ من ماءٍ"
(رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد).
فقد نسي البعض هذه السنة واستبدلوها بثقافة الاسراف بأسم الكرم, وبالرغم من وجود تلك المشكلة فلا يمكننا ان نلوم جميع المسلمين.
التعميم ليس الحل
ظاهرة ازدحام سفرة الافطار حقيقية, لكنها لا تمثل بيت كل مسلم, فهناك الكثير من العوائل :
التي تفطر بهدوء وتواضع
وتجاهد ضد الاسراف وتقلل من مقادير الطبخ
وتصوم بنية صادقة
فكتابة انتقاد اتجاه الامة بأكملها ينبذ كل من يتفق مع المقال, تضعف الرابطة بين الكاتب والقارئ,
ويعطي مخرجا سريعا للاخرين وحقاََ في تجاهل المقال بحجة انها مبالغة بدلا من اعطائها فرصة.
وقال الإمام ابن القيم الجوزية في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" :
"والتوبيخُ العامُّ لا يَقَعُ على أحَدٍ، بل يَمُرُّ كالهَواء."
تقوية الروابط
موضوع شهر رمضان اكثر من مسألة حرق سعرات
بل هي فرصة لتحسين وتقوية الروابط العائلية المسلمة
ويوجد بحث في عام 2025 يؤكد بأن هذا الشهر يجمع العوائل ويعزز ثباتهم في المجتمع
ويتيح ترابط بين اجيال من الاقارب, ويعد جمعتهم الى مائدة الافطار احدى اهم عوامل لتحقيق الترابط الاسرية.
الوجبات الموسمية في هذا الشهر ليست استعراض بل نسيج يجمع العوائل معا,
فوصفة هريس الجدة وكنافة الوالدة تعد ثقافة عائلية تجمع العوائل
سنجلب حلول اسوء من المشاكل, ان لم نأخذ في الحسبان مميزات الشهر كالتجمع والصدقة,
فالتجربة الروحانية لا تقمع في غياب الناس بل في حضورهم.
افضل فرصة للصدقة بالطعام
من بعيد ستزعم ان امتلاء المائدة رمز للأسراف ولكن قد تكون عبادة ان احسنت النية,
في خلال شهر رمضان لعام 2024 بدأت شركة (إطعام) التي تعتبر احدى بنوك للطعام في السعودية بمبادرة توزيع 20,000 وجبة إفطار في مدينة جدة ،
وقامت الشركات الاخرى العالمية بتبرع ب5 مليون و700 الف وجبة حول العالم فهذا يعادل على الاقل اكثر من 2 مليون شخص حول 42 دولة
قال الرسول ﷺ (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا)
[رواه الترمذي: 807]
فإن وجود اطباق ضخمة وسفرة ممتلئة ليست بالضرورة اسراف ولكن حصة اضافية لبقية بيوت المسلمين,
لن ينسوا اصحاب النعمة بوضع البيوت الجائعة في معادلة الكرم.
لكن هذا لا يعني ان كل شخص منعوم عليه يتصدق على الاخرين.
ما تحت الطاولة
الجانب التجاري
فالنبدأ بالارقام كونها لا تعطي مجالا للإنكار, فعلى حسب الابحاث فإن معدل اسراف الطعام في دبي يصل من 40% الى 60% في شهر رمضان وفي قطر حول 50%,
وسنجد تكرر هذا النمط حتى في السنين الماضية وقد يتكرر هذا النمط في المستقبل (لا قدر الله) ,
لكن الجدال حول نسبية ودقة تلك الارقام ستثبت نقطة الاسراف اكثر فأكثر.
وان إستمرت القائمة وتحدثنا عن دولة الامارات, ومصر وغيرها من الدول فسنجد نمط متكرر في الاستهلاك والاسراف المضاعف خصوصا في هذا الشهر, فهذه المشكلة ليست وطنية او محلية بل عالمية.
وبطبيعة قوة الشرائية لهذا الشهر سنجد الاسواق يبثون تخفيضات وعروض عنيفة, بدون ذكر في الزيادة بعدد العمالة.
فاصبحت طاولتنا تمتلئ باطباق موسمية, مثل السمبوسة واللقيمات التي تؤكل على الريق حينما يكون الجسم اكثر عرضه للدهون والنشويات ومعدل السكر بالدم في قاعه,
وبالاضافه الى طريقة تحضيرها القاسية والمقلية بزيوت النخيل, كل هذا كأول وجبة افطار بعد التمر او بدونه.
فالمنكهات مثل الفيمتو والتانج المليء بالسكر المضاف والالوان الصناعية اصبحت علامة تجارية تمثل اجواء رمضانية, حتى دخلت بيوتنا ولا يعلن عنها الا في هذا الشهر.
الترويج ليست صدفة بل خطة مدروسة
لم تساعدنا ادوات التواصل الاجتماعي في حل مشكلة الاسراف والسلوك, فهاشتاقات حفل الافطار في تزايد وتصبح قدسية هذا الشهر واضحا حيث تحول الموضوع من عبادة الى محتوى,
والبعض يصور الطعام قبل ان يسمي بالله ويدعي بدعاء الافطار,
لأن المنظر المائدة لا يشجع المرء على الحمد بنعمه ربه بل فرصة حصول على اللايكات,
حينما يصبح الهدف الاساسي هو ابهار المتابعين بدل من ارضاء الله, يضعف معنى الصوم فيصبح بمثابة الدايت المشهور. وقد يضم هذا الدايت المشهور مشروبات فيها نسبة كحول.
السوبيا وما خفي اعظم
مثل السوبيا, هذا المشروب التقليدي المكون من الدقيق والشعير, يباع بشكل استثنائي في الشوارع ومناطق الحجاز مثل جدة ومكة, وجدت الابحاث ان السوبيا تتخمر تدريجيا بسبب كثافة الايثانول بعد يومين من تركه,
اغلب المشترين يعلمون ولكن لا يعطون الموضوع حقه, وقد يقع الابن ضحية عندما يرى السوبيا متروك في المنزل, وخصوصا اذا حصل عليها من شخص بدون ذمة تجارية,
فقصص السكر في المنزل لن تنشر لعامة الناس كونها تهدم البيوت وتدمر سمعتهم.
وثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
أن النبي ﷺ قال: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني
قد يكون لك الحق في اتهام ظروف الاقتصاد واثرها على تغيير سلوك الانسان,
ولكن ان تسائلت في تغير سلوك المرء في هذا الشهر ستراه يعود لعدة اسباب.
كيف نعذرهم؟
قد نجد اسلوب الصائمين يصبح اكثر سوءا بدرجة انك تشك هل هم الشياطين فعلا؟ ولكن هناك اسباب تجعلنا نحسن الظن ونفترض بوجود عوامل ادى بهم الى هذا الشكل.
وابرز عوامل تغير السلوك هو الجوع او ما اسميه شخصيا بالاعراض الانسحابية, ستجد ان الاعراض لا تنطبق فقط على الجوع ولكن ايضا على اي شيء يدمنه المرء كالدخان والممنوعات وغيرها,
فغياب ما يحتاجه الانسان او ما يظن انه يحتاجه سيسبب له اضطرابات نفسية وكأنها اشارات نجاة.
اكدت دراسات بأن هناك هرمون اسمه الغريلين ويعرف ايضا بهرمون الجوع, وفي نهاية الصيام يصبح هذا الهرمون في اقصى حالاته وله تأثير مباشر في السلوك والحالات النفسية.
فعدم تملك الشخص لاعصابه لا يعد فشلا اخلاقيا بل ردة فعل بيولوجية,
وليس بالضرورة يعتبر ضعيف بسبب رغبته الشديدة للاكل,
لكن هذا ابدا لا يعطي عذر لعدم المحاولة في مواظبة النفس ولا في الاسراف في الطعام حتى الامتلاء,
ما يهم القول هنا هو الاخذ بعين الاعتبار المسألة الفسيولوجية المتعلقة بهرمون الجوع واثره السلبي على التصرفات, فلا يمكن ان نحكم على نفس الشخص الصائم والغير صائم بنفس الطريقة, بالذات اذا وجدوا الاهل في المعادلة.
تأثير الاهل والمجتمع
قد يكون التصرف جزء من الثقافة الذي توارثها الابن إقتداءا بوالده, كونه يراه غاضبا في فترة صيامه,
ولا سيما في ان تصرف كهذها سيستمر بالتدرج مثل تأثير الدومينو للأجيال القادمة
والغضب له نواتج ايجابية مثل :
راحة نفسية للتنفيس على المساكين
يقطع الحوار معهم الى بعد العيد
افضلية تمثيلية "لو كنت معصب بيخدموني بشكل افضل"
فعبارة "الناس لا تأتي الا بالعين الحمراء" تقال من قبل اشخاص اصبحت واعية بفترة غضبها,
ولكن استمرت بالغضب بالرغم من وعيها وكأنها تمثيل
سمي هذا المصطلح على يد العالم النفسي ادلر بـ "الغائية" (لان العصبية "غاية" لتوصيل "الرسالة")
على سبيل المثال :
عندما تصرخ الام على ابنتها لانها لم تعد السمبوسة بالطريقة الصحيحة
فالموضوع ابدا لا يتعلق بمشاعر الام او خطأ الابنة ولكن بالرسالة,
والدليل عندما يتصل احد اقارب الام عليها ستجدها سعيدة في لحظتها الى حين ينقطع الخط وتعود تلك الملامح الانفعالية الموجهة على الابنة.
فلكل تصرف ايجابيات وسلبيات, وسلبية التعامل مع الاخرين بحجة الجوع سيجعل الابن منبوذ ومكروه, ومنقطع عن اعزاءه واصدقائه.
قد يكون تبني الابن لعقد الذهنية من والديه امر تلقائي لكل طفل حول العالم,
لكن وحدنا من يحدد ان اخترنا نستسلم للجوع حتى يستمر هذا التسلسل السلبي لأحفادنا
او نقاومه حتى يتوقف عن حده.
عقد ذهنية
قد يتوقع الصائم بأن الانسان يستحمل يوم واحد بدون اكل, ولكن في الحقيقة يستطيع تحمل 3 ايام او اكثر بدون اكل ويقدر يشرب ماء لمدة اشهر بدون اكل وهذا اسمه صيام بالماء,
(مع اني احذرك عزيزي القارئ من اختبار صحة هذا القول بالممارسة, لإن النتيجة موجودة اونلاين.
سيتغير سلوك المرء بالتأكيد ان كان يتوقع بأن نافذته الوحيدة للأكل ضيقة جدا,
لانها تشبه ظاهره علمية شهيرة تدعى العلاج بالوهم او (البلاسيبو), واختصارها هو :
ان ما تؤمن به سيصبح حقيقي, فإن ظن الصائم بأن اليوم الواحد هو حده سيتصرف جسمه مساويا لهذا المعتقد.
ولا ننسى ان البلاسيبو ينطبق ايضا على معتقد الاحتياج المناسب لساعات النوم
فيعتبر قل النوم اكبر المؤثرات النفسية, لان الشخص سيصبح عنده حساسية عاطفية تتقارن بالشخص السكران.
فبدون ذكر الى تفاصيل وابحاث, فإن قل النوم بلا شك لها عوائد سلبية مثل قل الوعي, الذي يعود سلبا في الحياة المهنية والاجتماعية, وحتى النفسية.
مابين المجلس والمطبخ
ان كان للحقيقة وجود في هذا المقال فهو بلاشك ليس موجود بالماضي, فقديما
كانت الناس تموت من الجوع، ولكن في زمننا يموتون الناس من الشبع
صحيح ان على حسب ذكر الاحاديث كانوا المسلمين خلوقين في فترة الصيام لكن هذا لا يعطينا جوابا يعمم عن حال الماضي, كوننا لا نمتلك ادلة وبراهين مصورة ومتواترة عن حال تصرف المسلمين قبل الثورة الصناعية
وقديما كانت لديهم كل الاسباب حتى يتصفون بخلق نبيل, :
فكان بينهم الرسول ﷺ
وبينهم الصحابة رضي الله عنهم
ولا يوجد طعام بكثرة
ولا يوجد اعلانات مغرية
وحتى ان كان تصرف المسلمين سابقا مشابها لعصرنا الحالي فلن يتغير شيء
وجود اختلاف جذري امر يختلف فيه بشكل عام لاننا في عصر اجتمعت فيه فتن جميع الاقوام السابقة,
فقد نكون اضعف او اقوى امة.
لذا فالطبيعة الانسانية لن تتغير مهما طال الزمن,
وبالاضافة الى ان هناك من يرى ان الفضل يعود لهذا الشهر لانه يشجعه على:
تحسين نفسه
وضبط الجوارح
والالتزم بطاعاته
ومع الوقت سيصبح افضل مقارنة الماضي,
صحيح ان بعد قراءتك لهذا المقال, لا يعني انه سيتغير حال 2 مليار مسلم, ولكن في المقال منفعة دالة للمجتمع,
وان كان هناك ارضية مشتركة يتفق فيهما الكل فهي النية.
النية
حيث يقمع فيها الحقيقة, اذا كنا نتجادل ان كانت مائدة شهر رمضان سببا في سوء تعامل المسلمين او تحسنهم, سنصل الى حديث الرسول ﷺ :
{إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى}
النية لا تسألك ماذا اكلت, بل لما اكلت؟
ليس هدفنا ان نجعل الناس تشعر بالشؤم من الافطار ولكن هدفنا نعيدهم للفكرة الجوهرية المتعلقة بالصيام,
فهي ليست مجرد غياب الطعام من الفجر حتى المغرب,
بل تواجد وتعاطف مع الجائعين الذين وصل بهم الحال يصومون بدون افطار نظرا لظروفهم,
فمن المفترض ان نتذكرهم ولا تغيب صورتنا الذهنية عنهم عند حلول صلاة المغرب.
وان حافظنا على النية الصادقة لتقدير النعمة والتقرب الى الله, ونسعى لرضى الله قبل انفسنا,
فليس فقط سنحافظ على ديننا بل حتى على ثقافتنا
ونستطيع ان نتصدى للاعلانات التجارية, ويمكننا المحافظة على سلوكنا ان راقبنا الله في تصرفاتنا مع الاخرين,
لسنا بحاجة في ان نقطع :
الهريس لإن يمكننا تقليل الملح
ولا الكنافة لان يمكننا شراء كمية معقولة
ولا السمبوسة لان يمكننا ان تحضيرها بدون زيوت
فعندما يتبع المرء نيته فلن يقلل الكمية فحسب بل سيحسن من جودة طعامه, وفي قوله تعالى :
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
اية 31 من سورة الأعراف
فالفرق بين شكر التقاليد واستخدامها كحملة تسويقة لا تقمع في المائدة ولا في سلوك الناس, بل في نيتهم.
فبدل من ان نحلها نظريا بتحسين صورتنا الذهنية حول الصيام
فالنصبح جزء من الحل باتباع نيتنا ونشدد رغبتنا نحو ارضاء الله قبل ارضاء الناس وانفسنا.
.png)
