مسكت الهاتف

بعد عدة ساعات من تصفحك للاعلام, ستجد نمط متكرر بدقة عالية بشكل غير مريح, بخصوص المواضيع الجدية,

مثل تأجيل محكمة جيفري ابستين بالرغم من كبر جرائمه, وتجد منشورات تسخر من انتحاره وايضا رقصات له بالذكاء الاصطناعي, ويتوالى بعد ذلك ديدي وكيف انه مرتبط بجرائم الاتجار بالبشر بحجج غير قابلة للنفي, وينتشر بعدها نكتة 1000 عبوة من زيت الاطفال الذي وجد بداخل منزله.

كيف لهؤلاء المجرمين ان يصبحو نكات بهذه السرعة؟

وحتى عند اغتيال شارلي كيرك بالرصاص في رقبته بجامعة يوتا اثناء حدث عام, مما اثار ردة فعل للسلطات بمطاردة المشبته به والقبض عليه, وحزن اقاربه عن ما حدث,

فبعد عدة دقائق من الخبر نجد امتلاء الميديا بنكات سودوية, واحتفالات حول اغتياله وميمز واغاني ساخرة وكأنها حرب ثقافية ...

ربما تسأل, اليس هذه طبيعة الانترنت؟ ولماذا نتعمق بالموضوع لطالما وجدنا اشخاص دائما يمزحون بالامور المأساوية لتخفيف الضغط؟

انا اتفق بأن النكات السودوية ردة فعل طبيعية من البشر لقمع المخاوف وبناء التضامن واستقرار المشاعر, لكن ما اريد التحدث عنه تحديدا هو سبب سرعة تداول تلك المنشورات وتناسق ردات الفعل التي قد تجاوزت حاجز العشوائية للمستخدمين.


ما وراء السمفونية

قد تظن السبب هو الذباب الالكتروني, لكن بغض النظر عن ما اذا كانت المجموعات المدعومة وهمية او تعود الى طبقات دبلوماسية, فإن حرب الميمز لم يكن تكتيك اعلامي حديثا قط,

بل تعتبر احدث صورة لتكتيك قديم مذكورة في بعض الكتب, فعلى سبيل المثال هي القاعدة الخامسة المذكورة في كتاب قواعد المتطرفين حيث نص الكاتب شاول الينسكي بأن:

"السخرية هي أقوى سلاح لدى الإنسان."

لانه إذا غضب الخصم، فإنه سيبدو كالأحمق, وإذا حاول التبرير، فإنه يفقد هيبته, والسخرية ايضا تجعل القضية ممتعة وجذابة، بينما يشعر الخصم بالعزلة والضعف.

فالمؤكد بشكل عام ان السخرية اداة اعلامية نتيجتها في انها تجعلك تشعر باهمية اتخاذ رأيك حيال الموضوع والا ستفوتك مقطورة الترند.

وفي اخر الفترات نرى تطورها بالذكاء الاصطناعي حيث انه يستخدم كعملية هجوم اعلامي,

,لان هدف تلك الهجمات الاعلامية ليس اقناعك ولكن ارهاقك فعندما نحول الغضب الى ضحك سيتلاشى تدقيقنا حول الموضوع مما يجعلك غير متعجب في تأجيل جزاءهم,

لان الموضوع هنا لا يقتصر على السخرية فقط, بل في تعطيل حبل افكار المستخدمين للميديا.

جسر


بعيدا عن الهاتف

لكن اذا بتعدنا عن سياق الإعلام والهاتف، ونظرنا إلى حياتنا الواقعية، سنجد أن السخرية ليست بالضرورة سلبية.

ايجابا

عندما تدخل الى مكان فيه اشخاص يواجهون ضغوطات دراسية المتعلقة بمستقبلهم

ستجد ان الجانب الايجابي من النكات الخفيفة مثل "ورقة الاختبار عنيفة" تخفف من قلق الطلاب ويصبحون التلامذة اعوان في داخل وخارج المدرسة,

لإن النكتة بنية صافية تذكرنا بأننا بشر وان المعاناة طبيعية واننا لسنا وحدنا, فهذا يصنع شعور بالانتماء بطريقة غير ملحوظة, لانها تمحي الخوف وتكسر الحاجز الجليدي وتدعو للتعاون والتحسين.

سلبا

لكن حالما تتغير نية النكتة في النبرة والمقصد ستبدو وكأن "ورقة الاختبار عنيفة" تحولت الى "إن النجاح مستحيل" فالجانب العفوي من النكتة تحولت الى حيرة مليئة بشعور العار الناتج من تقصير الطالب للدراسة,

وايضا ولو كانوا الطلاب لا يثقون بأنفسهم سيتراجعون اكثر من ذي قبل,

وينتشر الصمت في القاعة وتضعف الروابط, وتنعدم المساعدة, واصبحت النكتة سببا في تسمم اجواء الدراسية,

التفرقة لم تبدأ بسبب صعوبة المادة ولكن بسبب تعليق مبطن المعاني, وما بدأ كتعليق ولدت ثقافة الانانية والعزلة , وبعد ذلك فهي مسألة وقت حتى تتلاشى الامكانيات.

قد تظن انها مبالغة لكن وجود تلك الزاويتين لا تنحصر على البيئة الدارسية فقط ولكن ايضا في بيئة العمل, فاخفاق الموظف قد يكون سببا في تقوية روح الفريق او تفرقته, حتى عندما يمازح الاهل عن اهداف احد ابناءهم, لربما ذلك سيعززه على الكفاح او ربما تكون بداية زرع بذرة شك

الفرق ليست بالكلمات ولكن بالنوايا وكيف نختار ان نفهمها.


مسافة وعي

وحين نمنح أنفسنا لحظة تأمل، يتغير نوع السؤال الذي نطرحه, لماذا نهتم لرأي ناس مادامت نكات؟

لان الحكمة هنا ليست التوجه للنظريات المؤامرة او اسكات كل شخص يريد الضحك, بل المهم هو استعادة وعيك,

فملاحظتك المتكررة للانماط ليست هلوسة بل هي حكمة مكتسبة من خلال تدبرك,

فسأل نفسك عندما ترى سخرية مرة القادمة, هل هذا يجمعنا ام يفرقنا؟ هل هذه نقطة التماس انسانية او حقيقة لاذعة؟ هل هي محاولة بناء جسر ام جدار؟ ضميرك وحده هو من يعرف الاجابة.

كأنسان عادي لما عليه ان يهتم بتطوير وعيه؟

فانغياب الوعي عن السخرية تجعلنا لا نثق ببوصلتنا الاخلاقية وتجعلنا لا نبالي للامور الجدية, ونوصف الوعي والحذاقة كحساسية مبالغة,

وان اخترت الاهتمام بتطوير وعيك فستلاحظ اثرها في التركيز, وانعكاسها على حصيلتك اللغوية,
فبدل من التعابير المبهمة ستصبح شخص يسعى للوضوح,
ومن وضوحك الى تحسن جودة علاقاتك الاجتماعية,
ومن تحسن علاقاتك الى تلقي اسلوب تعامل خاص بك حتى مع الغرباء حيث يجعلهم يبادلونك الوضوح وتقدير الرأي,

, لانها اذا بدأت ببذرة ضعف الوعي, ستنتهي كشجرة جدال وعشوائية.


النظر الى الجدار

بعد ادراكك لما يحدث بوعي مستخدمين الميديا, فليس المطلوب منك رفع هاشتاقات ترند عن اخذ الامور بجدية, ولكن المطلوب هو عدم استصغار فكرة التدرج في التطوير,

لحظات الادراك في وسط موجة اعلامية عنيفة لها قيمة اكبر من ردة فعل المؤيدة او المعارضة للموضوع,

اقوى طريقة لتحريف مسار الموجات الاعلامية هي عدم الرد عليها, بحكم ان فعل عكس ذلك هو ما يريده منك الخوارزمية التي تتعطش للتشتيت واثارة الجدل,

بما انك الان تملك كل ما تحتاجه من خبرات واقعية, ملاحظات صادقة, والفطرة السليمة التي ترفض السخرية من الفساد والفوضى, وتتفق ان عالمنا لا يحتاج الى المزيد من السخريات.

فما هي نصيحتك لكي ترشد الناس ليعيشون وفقا لفطرتهم؟