هل سمعت هذه المقولة سابقًا؟

«الأوقات الصعبة تصنع رجالا أقوياء. والرجال الأقوياء يصنعون أوقات الرخاء.!

أما أوقات الرخاء فتصنع رجالا ضعفاء.. والرجال الضعفاء يصنعون أوقاتا صعبة.. ثم تصنع هذه الأوقات الصعبة رجالاً أقوياء مرة أخرىٰ»

في الحقيقة هذي المقولة صياغة حديثة من افكار ابن خلدون في كتابه "المقدمة"

وفي كتاب المقدمة يدخل الى تفاصيل اكثر ملخصه هنا:-

فلسفة العصبية والقوة

يرى ابن خلدون أن الدول تبدأ من "الخشونة"؛ حيث تفرض الظروف القاسية على الناس التكاتف والصبر والجلد. هذه الصفات هي التي تبني الأمجاد وتؤسس الدول.

فخ "الترف"

عندما تستقر الدولة ويحل الرخاء، يميل الجيل الجديد إلى الراحة والدعة. هنا تبدأ "الرجولة" بمعناها الصلب في التآكل، حيث يحل الاستهلاك محل الإنتاج، والرفاهية محل الكفاح. وهذا ما وصفه ابن خلدون بـ مرحلة الهرم.

ففي كتاب المقدمة ستجد دروسًا كثيرة نقارن بها حالنا الآن ولكن بدون شك هو واقعٌ يحصل.

الترف والرفاهية والراحة تضعفنا فهي تسّمن الجسد وترهم العقل وتحبط الهمة وتُنقص الشجاعة

عندما تنظر الى التسلسل الزمني تجد اللذين سبقونا كانو اكثر صلابة في حياتهم في شتى الطرق وكل جيل يأتي بعد جيل تجده اكثر استرخائًا وراحةً من غيره وسبب ذلك هي خوارزمية الراحة التي سنشرحها الان

خوارزمية الراحة

قال اسحاق نيوتن في قانونه الثالث:- " لكل فعل ردة فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه"

ففي خوارزمية الراحة كل ما يتم تسهيل امر يتم تصعيب امر اخر إما حاليًا او مستقبلًا حتميًا

فكثير من الأمور والمهارات المتطلبة تم تسهيلها في هذا العصر حتى أصبحت منسية او غير متطلبة مثال كبير على ذلك:

وهو تطبيقات ال GPS والخرائط. حيث اعتمدنا عليهًا كثيرا في الوصول الى وجهاتنا حتى استغنينا عن حفظ الطرق والأماكن بأنفسنا ولو حاولنا انا نرجع الى العهد القديم فجأة لأصبح الأمر شديد الصعوبة بسبب فقدنا لهذه "المهارة"

أو بالأصح تقلص المنطقة المسؤولة بالمخ عن الملاحة (hippocampus) بسبب هذه الإعتماد

والجدير بالذكر انه ايضًا فقدنا الصلة الطبيعية في الأماكن, ففي العهد القديم كنا نحفظ الشوارع والأماكن لنصل الى وجهتنا وكانت ترمز لنا كل منطقة وشارع صلة عميقة متعلقة بهذا المكان

الان مع ال GPS انت تعبر الكثير من الوجهات دون ان تنتبه بها مركزًا فقط على نقطة وصولك.

أمثلة اخرى لمهارات نفقدها الان بسبب خوارزمية الراحة:-

العد الذهني ( الألات الحاسبة)

الكتابة الورقية (الكيبورد والجوال),

البحث العلمي (بس اسأل شات جي بي تي).

الكثير...


جسديًا مالذي يحدث الآن؟

انخافض ملاحظ في معدلات التسترون وهو هرمون الرجولة

ازدياد معدلات السمنة والأمراض

ازدياد معدلات الإضرابات النفسية والإكتئاب

والكثير..

الطعام الذي نأكله اصبح معدلًا لكي يستساغ من الكل ويسهل ادمانه

الإعلانات التي تشاهدها على الشاشات مصممة لكي تجذب انتباهك وتستعمل اغاني وأصوات جاذبة لتبقيك في الدائرة

المشروبات السكرية مليئة في كل المتاجر وهي تسبب لك امراض السكري ومشاكل جسدية

الحقيقة ان العصر الذي نعيش فيه الان هو من اسوء العصور من ناحية الراحة حيث ان المريح واللذيذ والسهل = القاتل

والأمور الصعبة مثل التمرين بدل الجلوس والمشي بدل ركوب السيارة والطبخ الذاتي بدل شراء اكل المطاعم والخ.. هي الأمور التي ستسندك ان تعيش حياة افضل

ولعلك تقول ان هذه مايفرق بين البشر وجعل بيننا طبقات من الناس, ان هنالك من اختارو الراحة على العمل الجاد فأرتقى الكثير وتخلف الأكثر.

الحياة في هذا العصر اصبحت مفعمة بالراحة والتسهيل فكل شيئ اصبح الان بتناول يدك انت فقط تستلقي على السرير وتشاهد شاشة ويأتيك الدوبامين وكنك زرت العالم بنفسك لكن في الحقيقة انت لازلت في سريرك لم تتحرك ولم يتغير منك شيئ

الجسد

العصر الذي نحن فيه الان من اخطر العصور حيث لم يسبق وصول هذا النسبة من السمنة بين البشر قط!

في الشرق الأوسط 32.1% من البالغين لديهم سمنة ضعف المتوسط العالمي تماماً! مصر 44.3%، قطر 43.1%، الكويت 41.4%

تغيرت حياتنا بالكامل بسبب الراحة وتركنا الرياضة والمشقة والعمل وحتى القرائة! اذا انت عربي ولازلت تقرأ هذا المقال الى الان ولم تلهيك الملهيات فهنيئًا لك.

وفي الطعام ايضًا استبدلنا التمر والحليب واللحوم المفيدة بالمقليات والسكريات خصوصًا في شهر رمضان حيث ترتفع معدلات السمنة فيه والذي هو شهر نتذكر فيه الله ونتعبد فيه اصبح شهرًا نأكل فيه ونلتهي به بالسوشل ميديا والمسلسلات!

مقارنة الأثر بالوضع الحالي

عن أبي طلحة رضي الله عنه: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا حجراً حجراً، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين» (رواه الترمذي، وله شواهد).

عن أنس رضي الله عنه: «ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً ولا لحماً مشوياً حتى لقي الله» (رواه البخاري).
وفي رواية: «ما شبع من خبز ولا لحم ثلاثة أيام متتابعة حتى فارق الدنيا».

سابقًا كانو الناس يموتون جوعًا, الأن! يموتون من كثرة الأكل

ففي التاريخ عبرة, عندما تقارن ليس فقط عادات الطعام بل العادات الجسدية والنفسية والعلمية

سابقًا كان العلم يصعب الحصول عليه وكانو العلماء يقطعون المسافات ليجدو عالمًا او كتابًا يستمد منه

والان اصبحت كل الكتب والأبحاث مرقمنة وإمكانك تعلم وإيجاد كل شيئ بين يديك ومع ذلك الناس اصبحو أغبى من السابق ومع تقدم الذكاء الإصطناعي تراجع الذكاء الإنساني

هذه ايضًا من عوامل خوارزمية الراحة!

ما الحل؟

الحل لا يتطلب منك ترك التكنلوجيا تامة والذهاب الى الجبال وان ترعى الغنم, على الأقل ليس للأن

الحل يتطلب نوعًا من الموازنة بين الراحة والعمل مع التركيز على بذل الجهد بصفة تقنين النفس وإبعادها عن الشبع والراحة

مثلًا بدل ان تشاهد المحتوى السريع وال doomscrolling اقرأ كتابًا ببطئ وتأني

ابعد الجوال عن السرير ولا تستعمله فيه ابدًا

لا تأكل الى عندما تجوع ولا تأكل للشبع

مارس عملًا شاقًا جسديًا مثل التسلق والجري ورفع الأثقال بشكل دوري ومنتظم

والكثير من الأمور التي يمكنك الان ربطها في حياتك اليومية

ونختم بقوله تعالى بسورة العصر فبتدبرها ستعلم ماهية الأحداث الأن.

وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3)